أغارثا : مملكةُ جوفِ الأرضِ
لطالما أثارت فكرة الأرض المجوفة فضول البشر، من علماء فضوليين إلى كتّاب خيال واسع ومنظّري المؤامرات الذين لا يعرفون الكلل ، في مكانٍ ما تحت أقدامنا، يقولون إن هناك مملكة سرّية، حضارة كاملة تُدعى «أغارثا» — عالمٌ داخلي تحكمه مخلوقات غريبة، تحرسه بوابات مخفية عند القطبين ، هل هذه خرافةٍ من صنيع المخيلة البشرية؟ أم أن في القصة شذرات حقيقة ضلّت طريقها بين نظريات المؤامرة؟
انبثقت أولى ملامح هذه الفكرة بوضوح في القرن السابع عشر حين تخيّل الفلكي إدموند هالي — مكتشف مذنّب هالي الشهير — أن الأرض ليست كتلةً صلبة، بل قشرة سميكة تحيط بفراغ داخلي مليء بظواهر عجيبة وأجسام سماوية وبوابات مفتوحة عند القطبين..ومع مرور الوقت، لم يتوقف الأمر عند هالي؛ ففي القرن التاسع عشر، طرح جون كليف سيموز تصورًا أكثر جرأة، قائلاً إن فتحاتٍ هائلةً عند قطبي الأرض تؤدي مباشرةً إلى عالمٍ آخر في جوفها، فانبهر الناس وبدأت حكايات عن رحلات حقيقية أو متخيّلة للعثور على «البوابة الكبرى» التي تفتح الطريق نحو هذا العالم المجهول.
وتطورت الحكاية مع الوقت ، إذ تخيّل المؤمنون بهذه النظرية أن في عمق الأرض شمسًا صغيرةً تنير هذا العالم الداخلي، ليعيش سكانه في بيئةٍ نقيةٍ محميةٍ من تلوّث السطح، وأجسادٍ أطول قامةً وصحةٍ أفضل مما لدى البشر.. لكن العِلم ينفي ذلك كليًا.
ورغم ذلك، بقيت أغارثا في أذهان البعض أسطورةً حية، لا سيما بعد أن كرّس المستكشف البولندي «فرديناند أوسيندوسكي» الذي زعم أن هناك حضارة مخفيّة تحت سطح الأرض تُدعى «أغارثي» يعيش فيها كائنات أخرى غير بشرية، وأن مدينة مركزية تُسمّى «شمبالا» هي عاصمتهم ، في الأساطير الآسيوية والكتب الغنوصية، ترددت أوصاف لمكتباتٍ عملاقة ومعابد مطمورة وطرق سرّية تصل قارات الأرض عبر شبكة أنفاق هائلة.
وتحوّل الحديث بعد ذلك إلى سكان هذه المملكة العجيبة الذين يُقال إنهم بقايا حضاراتٍ غابرةٍ اندثرت مثل أطلانتس وليموريا.. يُصوَّر هؤلاء «الأغارثيون» بأنهم في قمة التقدّم والتكنولوجيا ، لهم بشرة تميل إلى الاخضرار وهيئات رقيقة مختلفة عن البشر، ويعيشون في سلام وملابسهم بسيطةٌ أنيقة تليق برُقي حضارتهم.. و تحكي بعض القصص عن كائنات حارسة تسمّى «الآسورا»، وهي مخلوقاتٌ قديمةٌ قويةٌ تراقب البوابات وتحفظ الأسرار الكبرى التي تفصل عالمهم عن عالمنا و قد قيل أنها تحمي بوابات أغارثا كذلك .
ولا تكتمل أسطورة أغارثا دون الحديث عن مداخلها السرّية الموزّعة في الأرض :
القطبان الشمالي والجنوبي : أكثرها تداولاً، حيث يُقال إن هناك فتحاتٍ هائلة يبلغ قطرها آلاف الكيلومترات وتؤدي مباشرةً إلى جوف الأرض، ولطالما استُخدمت صورٌ ضبابية من الأقمار الصناعية و خرائط مشبوهة كـ«دليل» على هذه البوابات،رغم أن البعثات العلمية لم توثّق أي فراغ أو فتحة يمكن عبورها،وكلها بقيت مجرد صور مثيرة للجدل على الإنترنت.
جبل شاستا ، كاليفورنيا : جبلٌ بركاني شهير يرتبط بقصصٍ عن ممرّاتٍ سرّيةٍ تحت الأرض و«الليموريين» — قومٌ قِيل إنهم انسحبوا إلى الجوف قبل آلاف السنين.
الهيمالايا : خاصّةً في المناطق التبتية والنيبالية، حيث تتقاطع الأسطورة مع شامبالا والطرق الروحية بإعتقاد بعض الأشخاص.
غابات الأمازون : حكايات السكان الأصليين تتمحور حول عالمٍ خفيٍّ أسفل التربة، ولطالما ارتبطت مغامرات «بيرسي فاوست» المفقود بأساطير المدن الضائعة وربما أغارثا.
الجيزة ، مصر : بعض النظريات تزعم أن هناك أنفاقًا وغرفًا تحت الأهرامات تؤدي إلى أغارثا، رغم عدم وجود أي إثبات أثري يربطها مباشرةً بالعالم السفلي.
تزداد القصة تشويقًا حين يظهر اسم المستكشف الأمريكي أدمرال ريتشارد بيرد الذي قاد مهمة «Operation Highjump» إلى القطب الجنوبي بعد الحرب العالمية الثانية.. رُوّجت شائعات تقول إنه رأى أراضٍ خضراء داخل القطب، ودوّن أسرارًا عن عوالم داخلية مأهولة ولكن في الواقع، تقارير حملته الرسمية لم تُشر إلا إلى تدريبات عسكرية في ذروة الحرب الباردة.
وسط كل هذا، ظهرت واحدةٌ من أكثر الفصول إثارةً للجدل و هي تلك التي تربط هتلر بحضارة أغارثا.. ففي روايات كثيرة، يُقال إن الزعيم النازي لم يمُت قط، بل فرّ سرًا إلى قواعد أغارثية تحت القطب الجنوبي، وطلب من سكان أغارثا أن يستقبلوه في ديارهم، روايات تبنّاها أصحاب نظريات المؤامرة، لكنها بقيت بلا وثيقة واحدة تؤكدها..
حتى يأجوج و مأجوج لم يسلموا من هذه الفكرة.. فبعض أصحاب النظريات، قاموا بالربط بين يأجوج ومأجوج وبين سكان أغارثا، قائلين أن أرضهم في باطن الأرض، و ليست على السطح !
وعلى الرغم من كل هذه المواضيع التي رُبطت بأغارثا و كونها ممتعة بصراحة و تفتح مجالًا للتأمل والنقاش، يبقى أن كثيرًا مما كُتب هنا هو نتاج بحث شخصي وتجميع روايات وأساطير ونظريات مؤامرة لا أساس علمي لها، إذ يظل الواقع الجيولوجي واضحًا: الأرض ليست مجوّفة، والجيولوجيا الحديثة تشرح بدقة طبقاتها المليئة بالصخور المنصهرة والضغط الهائل الذي لا يسمح بوجود فراغات هائلة مأهولة.. لم يُرصد قط ممرّ أو بوابة حقيقية، وكل الخرائط والأقمار الصناعية تنفي وجود بوابات أسطورية في القطبين.



رغم اتمنى ان يكون الموضوع حقيقي مو مجرد أساطير ، تسلم يدك على المقال الرائع 🤍
مَوضوع جِددااً مُمتٍع وَجديد ، أتمنى تَنزّلين عَن بَاقي الأسَاطير 🩵🩵